الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي

273

الاجتهاد والتقليد

وإن كان المستصحب هو الجواز لا في ضمن الوجوب ، فلم يثبت ذلك من أوّل الأمر حتّى يستصحب . ولهذا التقرير قطع رأس الاستصحابين الباقيين ؛ وبعد عدم جريان هذه الاستصحابات ، يبقى أدلّتنا سليمة عن المعارض . فإن قلت : قبل البلوغ إلى هذه الرتبة كان مأمورا بالامتثال بالتكاليف ، وهو قد كان يحصل بأمرين الاحتياط والتقليد ، فهذا المجتهد كان من قبل مخيّرا بين التقليد والاحتياط ، وبعد حصول الملكة له نستصحب التخيير الثابت له من قبل ، ونتمّ به المطلوب . قلت : على فرض تسليم وجوب الاحتياط ، الواجب عليه من قبل أحد الأمرين ، وبعد البلوغ إليها صار الواجب عليه أحد الأمور : الاحتياط والاجتهاد والتقليد ، فارتفع المستصحب قطعا ، لأنّه كان وجوب أحد الأمرين وهو منتف قطعا ، لثبوت وجوب أحد الأمور الثلاثة عليه حينئذ ، فلا يجري هذا الاستصحاب أيضا . ولا يخفى أنّ هذا الجواب أيضا غير مرضى ، لأنّ هذا الجواب إنّما يتمشّى على مختار الأشاعرة في الوجوب التخييري ، فإنّهم يقولون : إنّ الواجب فيه هو أحد الأمرين ، أو أحد الأمور ؛ بمعنى أنّ متعلّق الوجوب هو الواحد لا بعينه ، وبالإتيان بواحد من الأفراد يسقط الوجوب ؛ فعلى هذا ، بعد ما صار الواجب أحد الأمور ، ارتفع وجوب أحد الأمرين قطعا ، فلا معنى لاستصحابه . ولكن لمّا كان مختارنا في الواجب التخييري ما ذهب إليه المعتزلة فيه ، من أنّ كلّ واحد من الأفراد واجب على سبيل الاستقلال ، غاية الأمر أنّه بعد الإتيان بواجب واحد يسقط عنه الباقي ؛ لا يمكننا هذا الجواب ، لأنّ للخصم أن يقول : إنّ الواجب عليه قبل الاجتهاد كان أمرين ، لكن لا على وجه العينيّة ، بل على وجه التخيير ؛ وبعد الاجتهاد زاد بواسطة اقتضاء الدليل على هذين الواجبين واجب آخر ،